جيل بلا علم، وطن بلا شعب

جيل بلا علم، وطن بلا شعب

جيل بلا علم، وطن بلا شعب

طفل يحمل دفترًا في قرية فقيرة

في مكان ما من أطراف الوطن، حيث تنتهي الطرق ويبدأ النسيان، كان الطفل "مروان" يجلس على صخرة عند سفح الجبل. لم يكن في يده كتاب، بل قطعة خشب محفور عليها بالحجر. كان يقلّد بها الحروف كما رأى في التلفاز ذات ليلة حين انقطعت الكهرباء قبل أن يكمل الأبجدية.

في قريته النائية، لا مدرسة، لا مركز صحي، لا حتى جدار عليه شعار "العلم نور". والد مروان كان فلاحًا بالكاد يستطيع إطعام أطفاله. أما والدته فكانت امرأة بسيطة، تؤمن أن كل طفل يجب أن يتعلم، ولو بحرف واحد في اليوم. كانت تحفظ له بعض الآيات، وبعض الأناشيد، لكنها لم تكن تعرف القراءة. ومع ذلك، آمنت أن ابنها سيُعلّم نفسه.

مروان كان مختلفًا. لديه أسئلة لا تنتهي. لماذا لا نذهب إلى المدرسة مثل أطفال المدينة؟ لماذا لا يوجد كتاب في بيتنا؟ لماذا قال الخال "بدون تعليم، تموت الأمم"؟ هذه الأسئلة كانت تؤرقه أكثر من الجوع نفسه.

في أحد الأيام، زار قريتهم صحفي شاب لإعداد تقرير عن القرى المنسية. سمع مروان يتحدث مع الأطفال عن "حلمه بأن يصير معلمًا"، فاقترب منه وسأله: هل تعرف القراءة؟ فقال: "لا، لكنني أحاول أن أقرأ كل شيء... حتى الغيوم!".

تأثر الصحفي بكلماته ونشر قصته، فتفاعل الناس معها على وسائل التواصل. جُمعت تبرعات، ووُعِدت القرية بمدرسة متنقلة. جاء المعلم "عصمت"، شاب متطوع كان يحمل بين يديه كتبًا وأقلامًا لم يرَها الأطفال من قبل.

لكن الحلم لم يكتمل. بعد أشهر، انسحب الداعمون، وضاعت وعود الوزارة، وبقي مروان ينظر للدفتر الذي لم يكتمل، ويتساءل: "هل من العدل أن يُولد طفل في مكان يُحرم فيه من العلم لمجرد أنه ليس في العاصمة؟".

مرت الأعوام، وكبر مروان، وقرر أن يغيّر مصيره بيديه. كان يمشي لساعات إلى المدينة المجاورة ليقف خارج مدرسة ويستمع. راقبه أحد المعلمين وأعجب بذكائه، فأدخله خلسة إلى الصف. وبعد أشهر من التعليم المتقطع، اجتاز مروان أول اختبار رسمي له بتفوق.

واصل طريقه رغم الفقر والتهميش، حتى التحق بالجامعة، ودرس التربية والتعليم، وأسس لاحقًا مبادرة باسم "نور التراب"، تقوم على تعليم الأطفال المحرومين في القرى النائية، من خلال فرق شبابية تطوعية.

وفي يوم وطني كبير، وقف مروان على مسرح أمام آلاف الحاضرين، وقال: "ليس عيبًا أن نولد فقراء، لكن العيب أن نصمت أمام جيل يُدفن حيًا في مقابر الجهل. الوطن لا يُبنى بالأبراج، بل بالعقول. فجيل بلا علم... هو وطن بلا شعب".

انتهت القصة، لكنها بدأت للتو في مكان آخر، على يد طفل آخر، في قرية منسية... يحلم أن يقرأ اسمه بنفسه.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم