لماذا نكتب؟ رحلة البحث عن المعنى في الكلمات
البارحة، بينما كنت أنتظر الحافلة، سمعت طفلة تبكي لأن بالونها الأحمر طار وضاع في السماء. وقفت أراقبها وهي تشير للأعلى وتقول لأمها "اريده يرجع، اريده يرجع". في تلك اللحظة، شعرت بحاجة غريبة لأن أكتب عن هذا المشهد. ليس لأنه مهم أو مؤثر بشكل استثنائي، بل لأن شيئاً في داخلي رفض أن يتركه يمر دون أن يُحفظ. هكذا نحن - نلتقط لحظات عادية ونحولها إلى كلمات، كأننا نحاول أن نثبت للعالم أن هذه اللحظات حدثت فعلاً.
الكتابة كعلاج للروح المجروحة
فهمت حينها لماذا نكتب. لا نكتب لأننا فلاسفة أو شعراء، بل لأننا خائفون. خائفون من أن ننسى، من أن تموت مشاعرنا معنا، من أن تختفي هذه التفاصيل الصغيرة التي تبدو غير مهمة لكنها تشكل حقيقة من نحن. أمي تحتفظ بدفتر صغير تكتب فيه الجمل الغريبة التي يقولها أخي الصغير. "القمر اليوم زعلان" أو "الشجرة بتحكي مع الطيور". تقول إنها لا تريد أن تنسى كيف يرى العالم بعينيه الآن، قبل أن يكبر ويصبح عادياً مثلنا.
عندما تصبح الذكريات أثقل من أن نحملها وحدنا
أعرف فتاة في العمل تكتب كل يوم جملة واحدة فقط عن يومها في دفتر وردي اشترته من محل بجانب البيت. أمس كتبت "شربت قهوة بطعم القرفة لأول مرة وحبيتها". الأسبوع الماضي كتبت "ماما اتصلت وسألت إذا كنت بخير، وللمرة الأولى قلت نعم وكنت صادقة". هذه الجمل البسيطة تشكل أرشيفاً لحياة حقيقية، مليئة بالتفاصيل التي تجعل القلب ينبض.
ليس المهم أن نكتب الأحداث الكبيرة فقط. أحيانًا أكتب عن طعم القهوة في الصباح، أو عن طريقة سقوط الضوء من النافذة، أو عن ابتسامة غريب في الحافلة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع نسيج الحياة الحقيقي، وهي التي تضيع أولاً من الذاكرة.
حين نكتب للأشخاص الذين لم نقابلهم بعد
البارحة، قرأت تعليقاً على مقال كتبته منذ شهرين عن الخوف من المستقبل. كتبت فتاة: "قرأت مقالك في أصعب يوم في حياتي، وشعرت أنك تتكلم معي مباشرة. شكراً لأنك كتبت ما كنت أشعر به ولم أستطع قوله". جلست أحدق في التعليق لدقائق طويلة. لم أكن أعرف هذه الفتاة، ولا هي كانت تعرفني، لكن كلماتي وصلت إليها في اللحظة التي احتاجتها فيها. هذا هو سحر الكتابة الحقيقي - أننا نكتب من وجعنا الخاص، فنكتشف أن هناك آخرين يشعرون بنفس الوجع.
ربما هناك شخص في مكان ما يمر بنفس ما مررت به، يشعر بنفس الخوف أو الحيرة أو الأمل. عندما يقرأ ما كتبته، قد يكتشف أنه ليس وحيدًا، أن هناك من فهم ما يشعر به دون أن يقوله. هذا هو السحر الحقيقي للكتابة - قدرتها على بناء جسور خفية بين الأرواح.
الكتابة كمقاومة للصمت المفروض
الأسبوع الماضي، كنت في المقهى المعتاد أكتب، وجاء شاب وسألني: "إيه اللي بتكتبه؟ مقال؟ قصة؟" قلت له إنني أكتب عن الأشياء التي ألاحظها يومياً. ضحك وقال: "مين هيقرأ كدة؟" وقتها لم أعرف كيف أجيب. لكن الآن أعرف: أكتب لأن في عالم سريع مثل عالمنا، شخص ما يحتاج أن يتوقف ويلاحظ. يحتاج أن يقول إن الضوء اليوم مختلف، أو إن المطر على الزجاج يرسم أشكالاً جميلة، أو إن عجوز في الحافلة كان يبتسم لطفل صغير لا يعرفه. هذه اللحظات تستحق أن تُحكى، حتى لو قرأها شخص واحد فقط.
كل مرة نكتب فيها، نقول للعالم: "أنا موجود، ولي صوت، وما أشعر به يستحق أن يُسمع". حتى لو لم يقرأ أحد ما نكتبه، فإن الفعل نفسه - فعل الكتابة - يؤكد وجودنا ويحافظ على إنسانيتنا.
في النهاية... نبض لا ينتهي
إذن لماذا نكتب؟ لأن في داخل كل واحد منا حكايات صغيرة محتاجة تطلع للنور. نكتب لأننا اكتشفنا إن الحياة أجمل لما نلاحظها، ونكتب لأن الذكريات أقل وجعاً لما نشاركها. نكتب لأننا عايزين نقول للي جاي بعدنا: احنا كنا هنا، حسينا، حبينا، زعلنا، واكتشفنا إن الدنيا تستاهل نعيشها رغم كل حاجة.
في الآخر، الكتابة مش فن أو موهبة أو شطارة. الكتابة هي إننا نبقى صادقين مع نفسنا، ونخرج الحاجات اللي في قلبنا قبل ما تتحول لكتلة صعبة ما تطلعش. الكتابة هي نبض مسموع من قلوب عايشة، مش عايزة غير حد يسمعها.
